الشوكاني

520

فتح القدير

إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه ، وقيل طلوع الصبح كالمثال لمجئ الفرح ، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح ، كذلك الخائف يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح ، وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير ( من شر ما خلق ) متعلق بأعوذ : أي من شر كل ما خلقه سبحانه من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور ، وقيل هو إبليس وذريته ، وقيل جهنم ، ولا وجه لهذا التخصيص كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار البدنية . وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه وتقويما لباطله ، فقرءوا بتنوين شر على أن " ما " نافية ، والمعنى : من شر لم يخلقه ، ومنهم عمرو بن عبيد وعمرو بن عائذ ( ومن شر غاسق إذا وقب ) الغاسق الليل ، والغسق الظلمة ، يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم . قال الفراء : يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم ، ومنه قول قيس بن الرقيات : إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا وقال الزجاج : قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار ، والغاسق البارد ، والغسق البرد ، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد ، كذا قال ، وهو قول بارد ، فإن أهل اللغة على خلافه ، وكذا جمهور المفسرين . ووقوبه : دخول ظلامه ، ومنه قول الشاعر : وقب العذاب عليهم فكأنهم * لحقتهم نار السموم فأخمدوا أي دخل العذاب عليهم ، ويقال وقبت الشمس : إذا غابت ، وقيل الغاسق الثريا ، وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين ، وإذا طلعت ارتفع ذلك ، وبه قال ابن زيد . وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق . وقال الزهري : هو الشمس إذا غربت ، وكأنه لاحظ معنى الوقوب ولم يلاحظ معنى الغسوق ، وقيل هو القمر إذا خسف ، وقيل إذا غاب . وبهذا قال قتادة وغيره ، واستدلوا بحديث أخرجه أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن عائشة قالت " نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما إلى القمر لما طلع فقال : يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا ، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب " . قال الترمذي : بعد إخراجه حسن صحيح ، وهذا لا ينافي قول الجمهور ، لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه ، وهكذا يقال في جواب من قال إنه الثريا . قال ابن الأعرابي : في تأويل هذا الحديث : وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر . وقيل الغاسق : الحية إذا لدغت . وقيل الغاسق : كل هاجم يضر كائنا ما كان ، من قولهم غسقت القرحة : إذا جرى صديدها . وقيل الغاسق هو السائل ، وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول الأول ، ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر ، والتحرز من الشرور فيه أصعب ، ومنه قولهم : الليل أخفى للويل ( ومن شر النفاثات في العقد ) النفاثات هن السواحر : أي ومن شر النفوس النفاثات ، أو النساء النفاثات ، والنفخ كما يفعل ذلك من يرقى ويسحر ، قيل مع ريق ، وقيل بدون ريق ، والعقد جمع عقدة ، وذلك أنهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها ، ومنه قول عنترة : فان يبرأ فلم أنفث عليه * وإن يعقد فحق له العقود وقول متمم بن نويرة : نفث في الخيط شبيه الرقي * من خشية الجنة والحاسد